دلالُ الشهيدة
كنا نتذاكرُ الثورة الجزائرية وأبطالَها. ومرَّ بنا ذَكْرُ المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، الشابةُ المقاومة التي تحدَّت سجانيها .. فقلت لصاحبي: إن في جوارحي ذكرى لشهيدةٍ ما أجلَّها .. كلما ذكرتُها أحسستُ بغُصَّة الألم .. إنها دلال المغربي .. هل تذكرها؟
فأجابني: سمعتُ بها. قلت: هذه الرائعة الطاهرة الأنيقة .. لو تدري ماذا فعل بها باراك النذل ..
ثم عكفت أكتب على دفتري سطوري التي ألهمتنيها تلك الذكرى .. وقلت: غداً ستكون قصيدة ..
في أحد صباحات ربيع عام 1978 كان لدلال المغربي كلِمتَها .. يوم وفرقتها في الوصول إلى الشاطئ الفلسطيني قرب تل أبيب. واستولت على حافلة عسكرية إسرائيلية بجميع ركابها من الجنود، واتجهت بهم نحو تل أبيب وكانت تطلق النيران مع فرقتها على جميع السيارات العسكرية التي تمر بقربها خلال الرحلة، فأوقعت بجنود الاحتلالِ مئات الإصابات.
بعد ساعتين من النزول على الشاطئ وبسبب كثرة الإصابات في صفوف الجنود وبعد أن أصبحت دلال على مشارف تل أبيب، كلفت الحكومة الإسرائيلية فرقة خاصة من الجيش يقودها إيهود باراك، وزير الدفاع الحالي، بإيقاف الحافلة وقتل واعتقال ركابها من الفدائيين.
وبالفعل .. تم إيقاف الحافلة وتعطيلها قرب مستعمرة هرتسليا، وهناك .. اندلعت حرب حقيقية بين دلال والقوات الإسرائيلية، حيث فجرت دلال الحافلة بركابها الجنود فقتلوا جميعهم. وسقط في العملية العشرات من الجنود المهاجمين، إلى أن فرغت الذخيرة من دلال وفرقتها.
هنا .. أمر باراك بحصد الجميع بالرشاشات فاستشهدوا جميعاً .. ويا عزَّ الشهادة.
تركت دلال المغربي التي بدت في صورة مشهورة بثتها الكثير من الصحف في حينها، وفيها ظهر باراك وقد جرَّها من شعرها بعد استشهادِها أمام المصورين .. تركت وصيةً تطلب فيها من رفاقها أن لا يُلقوا سلاح المقاومة حتى تحرير ِكامل التراب الفلسطيني .. فوا أسفاه، ما حُفِظتْ وصية؟؟؟
أيقظوها في دمي شعلَةَ نارٍ، أيقظوا ذكرى الشهيدة
أعظمُ الفتياتِ في أرضِ الشهادةِ
في فلسطينَ العتيدة
يا دلالَ العِزِّ
يا ورداً تخضَّب بالدماء وبالنضال وبالثباتِ على العقيدة
أنتِ يا أسمى الشهيداتِ
ويا طُهْر الأيادي القابضاتِ على زناد
هل دَرَيْتِ بأن يافا قد بكتكِ
كذا الهضابُ السمْرُ في اللَّطرون، والقدسُ الشريدة؟؟
هل دَرَيْتِ بأن حيفا والجليلَ وبيت لحمٍ أبَّنتْ تلكَ العنيدة؟؟
إنه باراك .. ما زالت تصافحُه الأكفُّ الخانعاتُ الناقصاتُ مروءةً .. أدنى العباد
ذلك الوغدُ اللئيمُ يجرُّها من شعرها يومَ الحِداد
لا يا دلالُ .. سنذكر الجَّسدَ المضرّجَ ما حيينا ..
يا دلالُ .. ولن نساومَ عن دماكِ
دَثَرْنَ تُرباً بالطهارةِ قد رُوينا
ما نسينا
ذلكَ الرعديدُ يغتالُ الصِّبا بجريمةٍ يندى لها الإنسان
إنْ ما زالَ في الدُّنيا بقايا حُرْمات
فاضرعوا بأكفِّكم يا إخوتي للهِ أن يرعى الشهيدة
في جنانِ الخُلدِ مأواكِ دلال
...
ولتُزيِّنْ دفتري تلك القصيدة
كنتُ أحسب أنني وحدي من يتذكرها بعد هذه الأعوامِ الثلاثين الطويلات .. فإذا بها في قلوبِ إخوةٍ لنا في المقاومة، قبل أن تكونَ في قلبي، وفي رعايتهم بعد رعاية الله.
فما أطهرَ هذه القلوب .. وما أفسحَ ما تتسع له من رحمة .. وكأنها رحمة الله على الأرض.
لهم محبتي .. ولشهداء أمتنا الخلودَ وعلِّيِّين.
ولهذا السيد المبارَك النقي الطاهر السيد حسن نصر الله .. جميلَ العرفان وألطف السلام ..
وقصيدتي كتبتها منذ أيامٍ فقط ..
وقبل أن يأتي ذكرَ اسمِ الشهيدة على لسان أحد .. فإذا بي اليوم أسمع خبر تبادل رفاتها مع العدو الصهيوني ..
أي تخاطرٍ رباه هنا .. !!!! .. شيءٌ اقشعرَّ له بدني .. وتطوَّحْتُ بهذا الخبر فرحاً:
وأعودُ فأقول:
هل دَرَيْتِ بأن أهلَك في الجنوبِ يزغردون لعُرسِ دلَّة المغربي؟؟
هل دَرَيْتِ اليومَ أنكِ قدْ رُدِدْتِ إلى لبنانَ باسمةً بفخرٍ وزُهٌوٍّ .. وبِخُيْلاءِ أبيّ؟؟
ما نسيناكِ دلال
عزُّنا وأميرُنا وحبيبُنا ذو الوعدِ يذخَرُ بالوفاءِ وبالجمال
قد سجَّلَ النصر الجديدَ .. والقادِماتُ غداً سِلال
ما عادَ يُعجِزُنا المُحال
ما عادَ يُعجِزُنا المُحال


